فصل: تفسير الآيات رقم (100- 103)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 83‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏74‏)‏ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ‏(‏75‏)‏ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ‏(‏76‏)‏ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ‏(‏77‏)‏ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏78‏)‏ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏79‏)‏ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ‏(‏80‏)‏ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏81‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏82‏)‏ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏83‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏لأَبِيهِ ءازَرَ‏}‏ قال الجوهري‏:‏ آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من آزر فلان فلاناً‏:‏ إذا عاونه، فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام‏.‏ وقال ابن فارس‏:‏ إنه مشتق من القوّة‏.‏ قال الجويني في النكت من التفسير له‏:‏ ليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارخ، والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر‏.‏ وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روي عن ابن إسحاق، والضحاك، والكلبي أنه كان له اسمان‏:‏ آزر وتارخ‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ آزر لقب، وتارخ اسم، وقال سليمان التيمي‏:‏ إن آزر سب وعتب، ومعناه في كلامهم المعوج‏.‏ وقال الضحاك معنى آزر‏:‏ الشيخ الهرم بالفارسية‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال‏:‏ يا مخطئ‏.‏ وروي مثله عن الزجاج‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو اسم صنم‏.‏ وعلى هذا إطلاق اسم الصنم على أبيه‏:‏ إما للتعيير له لكونه معبوده، أو على حذف مضاف، أي قال لأبيه عابد آزر، أو أتعبد آزر على حذف الفعل‏.‏ وقرأ ابن عباس «أإزر» بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وروي عنه أنه قرأ بهمزتين مفتوحتين، ومحل ‏{‏إِذْ قَالَ‏}‏ النصب على تقدير‏:‏ واذكر إذ قال إبراهيم، ويكون هذا المقدر معطوفاً على ‏{‏قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله‏}‏ وقيل‏:‏ هو معطوف على ‏{‏وذكر به أن تبسل‏}‏ وآزر عطف بيان‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَة‏}‏ الاستفهام للإنكار، أي أتجعلها آلهة لك تعبدها ‏{‏إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ‏}‏ المتبعين لك في عبادة الأصنام ‏{‏فِى ضلال‏}‏ عن طريق الحق ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ واضح، ‏{‏وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم‏}‏ أي ومثل تلك الإراءة نري إبراهيم، والجملة معترضة، و‏{‏مَلَكُوتَ السموات والأرض‏}‏ ملكهما، وزيدت التاء والواو للمبالغة في الصفة‏.‏ ومثله الرغبوت والرهبوت مبالغة في الرغبة والرهبة‏.‏ قيل‏:‏ أراد بملكوت السموات والأرض ما فيهما من الخلق‏.‏ وقيل‏:‏ كشف الله له عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين‏.‏ وقيل‏:‏ رأى من ملكوت السموات والأرض ما قصه الله في هذه الآية‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بملكوتهما الربوبية والإلهية، أي نريه ذلك ونوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها‏.‏ ومعنى ‏{‏نُرِى‏}‏ أريناه، حكاية حال ماضية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين‏}‏ متعلق بمقدّر، أي أريناه ذلك ‏{‏لِيَكُونَ مِنَ الموقنين‏}‏ وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ‏.‏ وقيل‏:‏ إنه ولد في سرب، وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فكان يمصها‏.‏ وسبب جعله في السرب، أن النمروذ رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود، والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل‏}‏ أي ستره بظلمته، ومنه الجنة والمجنّ والجن كله من الستر، قال الشاعر‏:‏

ولولا جنان الليل أدرك ركضنا *** بذي الرمث والأرطي عياض بن ثابت

والفاء للعطف على ‏{‏قال إبراهيم‏}‏ أي واذكر إذ قال، وإذ جنّ عليه الليل، فهو قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه، وجواب لما ‏{‏رَأَى كَوْكَباً‏}‏ قيل‏:‏ رآه من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه‏.‏ وقيل رآه لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس، قيل‏:‏ رأى المشتري، وقيل الزهرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏هذا رَبّى‏}‏ جملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ فماذا قال عند رؤية الكوكب‏؟‏ قيل‏:‏ وكان هذا منه عند قصور النظر؛ لأنه في زمن الطفولية‏.‏ وقيل‏:‏ أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم، وما يعتقدونه، لأجل إلزامهم، وبالثاني قال الزجاج‏.‏ وقيل‏:‏ هو على حذف حرف الاستفهام، أي أهذا ربي‏؟‏ ومعناه‏:‏ إنكار أن يكون مثل هذا رباً، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 34‏]‏ أي أفهم الخالدون، ومثله قول الهذلي‏:‏

رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع *** فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

أي أهم هم‏؟‏ وقول الآخر‏:‏

لعمرك ما أدري وإن كنت داريا *** بسبع رمين الجمر أم بثمانيا

أي أبسبع، وقيل المعنى‏:‏ وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول، وقيل المعنى على حذف مضاف، أي هذا دليل ربي ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ‏}‏ أي غرب ‏{‏قَالَ‏}‏ إبراهيم ‏{‏لا أُحِبُّ الآفلين‏}‏ أي الآلهة التي تغرب، فإن الغروب تغير من حال إلى حال، وهو دليل الحدوث ‏{‏فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً‏}‏ أي طالعاً، يقال‏:‏ بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ‏:‏ الشق كأنه يشق بنوره الظلمة ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى‏}‏ أي لئن لم يثبتني على الهداية، ويوفقني للحجة ‏{‏لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين‏}‏ الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم، ويحرمونها حظها من الخير، ‏{‏فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً‏}‏ بازغاً وبازغة منصوبان على الحال، لأن الرؤية بصرية، وإنما ‏{‏قَالَ هذا رَبّى‏}‏ مع كون الشمس مؤنثة، لأن مراده هذا الطالع، قاله‏:‏ الكسائي والأخفش‏.‏ وقيل‏:‏ هذا الضوء‏.‏ وقيل‏:‏ الشخص ‏{‏هذا أَكْبَرُ‏}‏ أي بما تقدّمه من الكوكب والقمر ‏{‏قَالَ يَاقَوْم إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏ أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها، وما موصولة أو مصدرية، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضرّ، مستدلاً على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها ‏{‏إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ‏}‏ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عزّ وجلّ‏.‏ وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدّم‏.‏ وقد تقدّم معنى ‏{‏فَطَرَ السموات والأرض حَنِيفاً‏}‏ مائلاً إلى الدين الحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ‏}‏ أي وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ما يدّعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة، فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال‏:‏ ‏{‏أَتُحَاجُّونّى فِى الله‏}‏ أي في كونه لا شريك له ولا ندّ ولا ضدّ‏.‏

وقرأ نافع بتخفيف نون أتحاجوني‏.‏ وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع في نون الوقاية، ونافع خفف فحذف إحدى النونين، وقد أجاز ذلك سيبويه‏.‏ وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن، وجملة ‏{‏وَقَدْ هَدَانِى‏}‏ في محل نصب على الحال، أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ‏}‏ قال هذا لما خوّفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه، أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضرّ ولا ينفع، والضمير في «به» يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في ‏{‏مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً‏}‏ أي إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئاً من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه، وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضرّ ولا تنفع‏.‏ والمعنى‏:‏ على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال، وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه، وصدورهما حسب مشيئته، ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَئ عِلْماً‏}‏ أي إن علمه محيط بكل شيء، فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته، وإذا شاء إنزال شرّ بي كان، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن‏.‏ ثم قال لهم مكملاً للحجة عليهم، ودافعاً لما خوّفوه به ‏{‏وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا‏}‏ أي كيف أخاف ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضارّ النافع الخالق الرازق، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم‏.‏ و«مَا» في ‏{‏مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا‏}‏ مفعول أشركتم، أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطاناً شركاء لله، أو المعنى‏:‏ أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له، ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة، وجعلوها شركاء لله سبحانه‏؟‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن‏}‏ المراد بالفريقين‏:‏ فريق المؤمنين وفريق المشركين، أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات، ومعبودكم هي تلك المخلوقات، فكيف تخوّفوني بها، وكيف أخافها‏؟‏ وهي بهذه المنزلة، ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه، وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف ‏{‏إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ بحقيقة الحال، وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة‏؟‏ ثم قال الله سبحانه قاضياً بينهم ومبيناً لهم ‏{‏الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ‏}‏ أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا‏.‏

وقيل‏:‏ هو من تمام قول إبراهيم، وقيل‏:‏ هو من قول قوم إبراهيم‏.‏ ومعنى ‏{‏لَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ‏}‏‏:‏ لم يخلطوه بظلم‏.‏ والمراد بالظلم الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا‏:‏ أينا لم يظلم نفسه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان‏:‏ ‏"‏ ‏{‏يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 13‏]‏»، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية‏:‏ وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ إلى الموصول المتصف بما سبق‏.‏ و‏{‏لَهُمُ الأمن‏}‏ جملة وقعت خبراً عن اسم الإشارة‏.‏ هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه‏.‏ ‏{‏وَهُمْ مُّهْتَدُونَ‏}‏ إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُجَّتُنَا‏}‏ إلى ما تقدّم من الحجج التي أوردها إبراهيم عليهم، أي تلك البراهين التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ مُّهْتَدُونَ‏}‏ ‏{‏تِلكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم‏}‏ أي أعطيناه إياها وأرشدناه إليها، وجملة ‏{‏آتَيْنَاهَآ إبراهيم‏}‏ في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة ‏{‏على قَوْمِهِ‏}‏ أي حجة على قومه ‏{‏نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء‏}‏ بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة، أو بما هو أعم من ذلك ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏ أي حكيم في كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده، وأن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأبِيهِ ءازَرَ‏}‏ قال الآزر الضم، وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلي، وامرأته اسمها سارة، وسريته أم إسماعيل اسمها هاجر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال‏:‏ اسم أبيه تارخ، واسم الصنم آزر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سليمان التيمي، أنه قرأ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ‏}‏ قال‏:‏ بلغني أنها أعوج وأنها أشدّ كلمة قالها إبراهيم لأبيه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما اسمه تارخ‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عنه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض‏}‏ قال‏:‏ الشمس والقمر والنجوم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قال في الآية‏:‏ كشف ما بين السموات حتى نظر إليهنّ على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة، والسلسلة في خاتم العزّة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في الآية‏:‏ قال سلطانهما‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ‏}‏ يقول‏:‏ خاصموه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَتُحَاجُّونّى‏}‏ قال‏:‏ أتخاصموني‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي بكر الصديق أنه فسر ‏{‏وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ‏}‏ بالشرك‏.‏ وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب‏.‏ وكذلك أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن حذيفة بن اليمان‏.‏ وكذلك أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سلمان الفارسي‏.‏ وكذلك أخرجا أيضاً عن أبيّ بن كعب‏.‏ وكذلك أخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس‏.‏ وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ مثله، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغني عن الجميع ما قدّمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما‏.‏

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ‏}‏ قال‏:‏ خصمهم‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في قوله‏:‏ ‏{‏نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء‏}‏ قال‏:‏ بالعلم‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال‏:‏ إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 90‏]‏

‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏84‏)‏ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏85‏)‏ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏86‏)‏ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏87‏)‏ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏88‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ‏(‏89‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ‏(‏90‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ‏}‏ معطوف على جملة ‏{‏وتلك حجتنا‏}‏ عطف جملة فعلية على جملة اسمية‏.‏ وقيل‏:‏ معطوف على ‏{‏آتيناها‏}‏ والأوّل أولى‏.‏ والمعنى‏:‏ ووهبنا له ذلك جزاء له على الاحتجاج في الدين وبذل النفس فيه، و‏{‏كُلاًّ هَدَيْنَا‏}‏ انتصاب ‏{‏كلاً‏}‏ على أنه مفعول لما بعده مقدّم عليه للقصر، أي كل واحد منهما هديناه، وكذلك نوحاً منصوب بهدينا الثاني، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِهِ‏}‏ أي من ذرية إبراهيم، وقال الفراء‏:‏ من ذرية نوح‏.‏ واختاره ابن جرير الطبري، والقشيري، وابن عطية، واختار الأوّل الزجاج، واعترض عليه بأنه عدّ من هذه الذرية يونس ولوطاً، وما كان من ذرية إبراهيم، فإن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم، وانتصب ‏{‏دَاوُودُ وسليمان‏}‏ بفعل مضمر، أي وهدينا من ذرية داود وسليمان، وكذلك ما بعدها، وإنما عدّ الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التي عدّدها على إبراهيم، لأن شرف الأبناء متصل بالآباء‏.‏ ومعنى ‏{‏من قبل‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ‏}‏ أي من قبل إبراهيم، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك‏}‏ إلى مصدر الفعل المتأخر، أي ومثل ذلك الجزاء ‏{‏نَجْزِى المحسنين‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِلْيَاسَ‏}‏ قال الضحاك‏:‏ هو من ولد إسماعيل، وقال القتيبي‏:‏ هو من سبط يوشع ابن نون، وقرأ الأعرج والحسن، وقتادة ‏"‏ وَإِلْيَاسَ ‏"‏ بوصل الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم «واليسع» مخففاً‏.‏ وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بلامين، وكذلك قرأ الكسائي، ورد القراءة الأولى، ولا وجه للردّ فهو اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس، بل تؤدي على حسب السماع، ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم، أو تغيره العرب تغييرين‏.‏ قال المهدوي‏:‏ من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف واللام مزيدتان، كما في قول الشاعر‏:‏

رأيت الوليد بن اليزيد مباركا *** شديداً بأعباء الخلافة كاهله

ومن قرأ بلامين فالاسم ليسع، وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم، فإن الله أفرد كل واحد منهما، وقال وهب‏:‏ اليسع صاحب إلياس، وكانوا قبل يحيى وعيسى وزكريا‏.‏ وقيل‏:‏ إلياس هو إدريس، وهذا غير صحيح، لأن إدريس جدّ نوح وإلياس من ذريته‏.‏ وقيل‏:‏ إلياس هو الخضر وقيل‏:‏ لا بل اليسع هو الخضر ‏{‏وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين‏}‏ أي كل واحد فضلناه بالنبوّة على عالمي زمانه، والجملة معترضة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم‏}‏ أي هدينا، و«من» للتبعيض، أي هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم ‏{‏واجتبيناهم‏}‏ معطوف على فضلنا‏.‏ والاجتباء‏:‏ الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض جمعته، فالاجتباء‏:‏ ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك‏.‏ قال الكسائي‏:‏ جبيت الماء في الحوض جباً مقصورة، والجابية الحوض، قال الشاعر‏:‏

كجابية الشيخ العراقي تفهق *** والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك هُدَى الله‏}‏ إلى الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة ‏{‏يَهْدِى بِهِ‏}‏ الله ‏{‏مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق ‏{‏وَلَوْ أَشْرَكُواْ‏}‏ أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله ‏{‏لَحَبِطَ عَنْهُمْ‏}‏ من حسناتهم ‏{‏مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ والحبوط البطلان‏.‏ وقد تقدّم تحقيقه في البقرة‏.‏ والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ إلى الأنبياء المذكورين سابقاً، أي جنس الكتاب، ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين‏:‏ ‏{‏والحكم‏}‏ العلم ‏{‏والنبوة‏}‏ الرسالة، أي ما هو أعمّ من ذلك ‏{‏فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء‏}‏ الضمير في بها للحكم والنبوّة والكتاب، أو للنبوّة فقط، والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً‏}‏ هذا جواب الشرط، أي ألزمنا بالإيمان بها قوماً ‏{‏لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين‏}‏ وهم المهاجرون والأنصار أو الأنبياء المذكورون سابقاً، وهذا أولى لقوله فيما بعد‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏ فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار، إذ لا يصح أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم، وتقديم بهداهم على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء‏.‏ والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ اصبر كما صبروا‏.‏ وقيل‏:‏ اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نصّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏ أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجراً على القرآن، وأن يقول لهم ما ‏{‏هُوَ إِلاَّ ذكرى‏}‏ يعني القرآن ‏{‏للعالمين‏}‏ أي موعظة وتذكير للخلق كافة، الموجودين عند نزوله، ومن سيوجد من بعد‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال‏:‏ الخال والد والعم والد، نسب الله عيسى إلى أخواله فقال‏:‏ ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِهِ‏}‏ حتى بلغ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى‏}‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، والحاكم، والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال‏:‏ دخل يحيى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين، فقال الحجاج‏:‏ لم يكن من ذرية النبي، فقال يحيى‏:‏ كذبت، فقال‏:‏ لتأتيني على ما قلت ببينة، فتلا‏:‏ ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِهِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَعِيسَى‏}‏ فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه، فقال‏:‏ صدقت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال‏:‏ أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال‏:‏ بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده في كتاب الله‏؟‏ وقد قرأته من أوّله إلى آخره فلم أجده، فذكر يحيى بن يعمر نحو ما تقدم‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏واجتبيناهم‏}‏ قال‏:‏ أخلصناهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ قال‏:‏ يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال‏:‏ الحكم‏:‏ اللب‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء‏}‏ يعني أهل مكة‏.‏ يقول‏:‏ إن يكفروا بالقرآن ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين‏}‏ يعني أهل المدينة والأنصار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً‏}‏ قال‏:‏ هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله فيهم ‏{‏فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي رجاء العطاردي قال في الآية‏:‏ هم الملائكة‏.‏ وأخرج البخاري، والنسائي وغيرهما، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏ قال‏:‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم وكان يسجد في ص، ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد‏:‏ سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص، فقال هذه الآية، وقال‏:‏ أمر نبيكم أن يقتدي بداود عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏ قال‏:‏ قل لهم يا محمد‏:‏ لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عروض الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 94‏]‏

‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏91‏)‏ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ‏(‏92‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏93‏)‏ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ قدرت الشيء وقدّرته‏:‏ عرفت مقداره، وأصله‏:‏ الستر، ثم استعمل في معرفة الشيء، أي لم يعرفوه حق معرفته، حيث أنكروا إرساله للرسل، وإنزاله للكتب‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ وما قدروا نعم الله حق تقديرها‏.‏ وقرأ أبو حيوة‏:‏ ‏"‏ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ‏"‏ بفتح الدال‏:‏ وهي لغة، ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من اليهود، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى‏}‏ وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره، مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه، من وقوع إنزال الله على البشر، وهم الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم وقيل‏:‏ إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش، فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك، ويعلمونه بالأخبار من اليهود، وقد كانوا يصدقونهم، و‏{‏نُوراً وَهُدًى‏}‏ منتصبان على الحال، و‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ متعلق بمحذوف هو صفة لهدى، أي كائناً للناس‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏تَجْعَلُونَهُ قراطيس‏}‏ أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتمّ لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل، وكتم صفة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة فيه، وهذا ذمّ لهم، والضمير في ‏{‏تُبْدُونَهَا‏}‏ راجع إلى القراطيس، وفي ‏{‏تَجْعَلُونَهُ‏}‏ راجع إلى الكتاب، وجملة ‏{‏تجعلونه‏}‏ في محل نصب على الحال، وجملة ‏{‏تبدونها‏}‏ صفة لقراطيس ‏{‏وَتُخْفُونَ كَثِيراً‏}‏ معطوف على ‏{‏تبدونها‏}‏ أي وتخفون كثيراً منها، والخطاب في ‏{‏وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ‏}‏ لليهود، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقرّرة لما قبلها، والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور التي أوحى الله إليه بها، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم، ولا على لسان أنبيائهم، ولا علمه آباؤهم، ويجوز أن يكون ‏"‏ ما ‏"‏ في ‏{‏ما لم تعلموا‏}‏ عبارة عما علموه من التوراة، فيكون ذلك على وجه المنّ عليهم بإنزال التوراة‏.‏ وقيل‏:‏ الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم، فتكون «ما» عبارة عما علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال‏:‏ ‏{‏مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى‏}‏ فقال‏:‏ ‏{‏قُلِ الله‏}‏ أي‏:‏ أنزله الله ‏{‏ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‏}‏ أي ذرهم في باطلهم حال كونهم يلعبون، أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ‏}‏ هذا من جملة الرد عليهم في قولهم‏:‏ ‏{‏مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَئ‏}‏ أخبرهم بأن الله أنزل التوراة على موسى، وعقبه بقوله‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه‏}‏ يعني على محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف تقولون‏:‏ ‏{‏مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَئ‏}‏‏؟‏ ومبارك ومصدق صفتان لكتاب، والمبارك كثير البركة، والمصدق كثير التصديق، والذي بين يديه ما أنزل الله من الكتب على الأنبياء من قبله، كالتوراة والإنجيل، فإنه يوافقها في الدعوة إلى الله، وإلى توحيده، وإن خالفها في بعض الأحكام‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلِتُنذِرَ‏}‏ قيل‏:‏ هو معطوف على ما دل عليه مبارك، كأنه قيل أنزلناه للبركات ولتنذر، وخص أم القرى وهي مكة، لكونها أعظم القرى شأناً، ولكونها أوّل بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحلّ حجهم، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض، والمراد بمن حولها‏:‏ جميع أهل الأرض، والمراد بأنذر أمّ القرى‏:‏ إنذار أهلها وأهل سائر الأرض، فهو على تقدير مضاف محذوف كسؤال القرية ‏{‏والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة‏}‏ مبتدأ، و‏{‏وَيُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ خبره، والمعنى‏:‏ أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب، ويصدق، ويعمل بما فيه، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها، ويندفع به ضرّها‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ‏}‏ في محل نصب على الحال، وخص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً‏}‏ هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدّم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله، أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً فزعم أنه نبيّ وليس بنبيّ، أو كذب على الله في شيء من الأشياء ‏{‏أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَئ‏}‏ أي والحال أنه لم يوح إليه شيء، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الإضلال، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله‏}‏ معطوف على ‏{‏من افترى‏}‏ أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحى إليّ ولم يوح إليه شيء، أو ممن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، وهم القائلون‏:‏ ‏{‏لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 31‏]‏ وقيل‏:‏ هو عبد الله بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي لرسول صلى الله عليه وسلم، فأملى عليه رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏ فقال عبد الله‏:‏ ‏{‏فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏"‏ هكذا أنزلت ‏"‏ فشكّ عبد الله حينئذ وقال‏:‏ لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إليّ كما أوحى إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، ثم ارتدّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف، قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت‏}‏ الخطاب لرسول الله صلى الله عيله وسلم أو لكل من يصلح له، والمراد كل ظالم، ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله، والمدّعون للنبوات افتراء على الله دخولاً أوّلياً، وجواب ‏"‏ لو ‏"‏ محذوف، أي لرأيت أمراً عظيماً‏.‏ والغمرات جمع غمرة‏:‏ وهي الشدّة، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم استعملت في الشدائد، ومنه غمرة الحرب‏.‏ قال الجوهري‏:‏ والغمرة الشدّة والجمع غمر‏:‏ مثل نوبة ونوب، وجملة‏:‏ ‏{‏والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ في محل نصب، أي والحال أن الملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواح الكفار‏.‏ وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملئكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 50‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ‏}‏ أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب، أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم، وسلموها إلينا لنقبضها ‏{‏اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون‏}‏ أي اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم، أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي مبدؤه عذاب القبر، والهون والهوان بمعنى أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذي تصيرون به في إهانة ومذلة، بعدما كنتم فيه من الكبر والتعاظم، والباء في ‏{‏بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق‏}‏ للسببية، أي بسبب قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به ‏{‏وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ عن التصديق لها والعمل بها، فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون‏:‏ ‏{‏جَزَاء وفاقا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 26‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى‏}‏ قرأ أبو حيوة ‏"‏ فرادى ‏"‏ بالتنوين، وهي لغة تميم، وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ينصرف‏.‏ وحكى ثعلب «فراد» بلا تنوين مثل‏:‏ ثلاث ورباع، وفرادى جمع فرد كسكارى جمع سكران، وكسالى جمع كسلان، والمعنى‏:‏ جئتمونا منفردين واحداً واحداً كل واحد منفرد عن أهله وماله، وما كان يعبده من دون الله، فلم ينتفع بشيء من ذلك ‏{‏كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ أي على الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، والكاف نعت مصدر محذوف، أي جئتمونا مجيئاً مثل مجيئكم عند خلقنا لكم، أو حال من ضمير ‏{‏فرادى‏}‏ أي متشابهين ابتداء خلقنا لكم ‏{‏وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ‏}‏ أي أعطيناكم، والخول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا، أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشيء منه، ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه ‏{‏وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين‏}‏ عبدتموهم وقلتم‏:‏

‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏ و‏{‏زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء‏}‏ لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ‏}‏ قرأ نافع والكسائي وحفص بنصب ‏{‏بينكم‏}‏ على الظرفية، وفاعل ‏{‏تقطع‏}‏ محذوف، أي تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم، كما يدل عليه‏:‏ ‏{‏وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ‏}‏‏.‏ وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين، أي وقع التقطع بينكم، ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع في إسناد الفعل إلى الظرف، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفاً‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «لقد تقطع ما بينكم» على إسناد الفعل إلى ‏"‏ ما ‏"‏‏:‏ أي الذي بينكم ‏{‏وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ من الشركاء والشرك، وحيل بينكم وبينهم‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ قال‏:‏ هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء‏.‏ قالت اليهود‏:‏ يا محمد أنزل الله عليك كتاباً‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ نعم ‏"‏، قالوا‏:‏ والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَئ‏}‏ قالها مشركو قريش‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال‏:‏ قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء، فنزلت‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال‏:‏ نزلت في مالك بن الصيف‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال‏:‏ جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين‏؟‏ ‏"‏ وكان حبراً سميناً، فغضب وقال‏:‏ والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه‏:‏ ويحك ولا على موسى‏؟‏ قال‏:‏ ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزلت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏تَجْعَلُونَهُ قراطيس‏}‏ قال‏:‏ اليهود، وقوله‏:‏ ‏{‏وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ‏}‏ قال‏:‏ هذه للمسلمين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ‏}‏ قال‏:‏ هم اليهود آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به، ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في علمهم ذلك‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ‏}‏ قال‏:‏ هو القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عنه قال ‏{‏مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ أي من الكتب التي قد خلت قبله‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى‏}‏ قال‏:‏ مكة ومن حولها‏.‏ قال‏:‏ يعني ما حولها من القرى، إلى المشرق والمغرب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال‏:‏ إنما سميت أمّ القرى لأن أوّل بيت وضعت بها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله ‏{‏وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى‏}‏ قال‏:‏ هي مكة، قال‏:‏ وبلغني أن الأرض دحيت من مكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار نحوه‏.‏ وأخرج الحاكم في المستدرك، عن شرحبيل بن سعد قال‏:‏ نزلت في عبد الله بن أبي سرح ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَئ‏}‏ الآية‏.‏ فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فرّ إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأنّ أهل مكة، ثم استأمن له‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي خلف الأَعمى‏:‏ أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح‏.‏ وكذلك روى ابن أبي حاتم عن السديّ‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَئ‏}‏ قال‏:‏ نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ‏{‏وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله‏}‏ قال‏:‏ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة لما نزلت‏:‏ ‏{‏والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 1، 2‏]‏ قال‏:‏ النضر وهو من بني عبد الدار‏:‏ والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً قولاً كثيراً، فأنزل الله ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏غَمَرَاتِ الموت‏}‏ قال‏:‏ سكرات الموت‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال في قوله‏:‏ ‏{‏والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ هذا عند الموت، والبسط‏:‏ الضرب ‏{‏يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 50، محمد‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عنه قال في الآية هذا ملك الموت عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ قال‏:‏ بالعذاب‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏عَذَابَ الهون‏}‏ قال‏:‏ الهوان‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال‏:‏ قال النضر بن الحارث‏:‏ سوف تشفع لي اللات والعزّى، فنزلت ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى‏}‏ الآية، قال‏:‏ كيوم ولد يردّ عليه كل شيء نقص منه يوم ولد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم‏}‏ قال‏:‏ من المال والخدم ‏{‏وَرَاء ظُهُورِكُمْ‏}‏ قال‏:‏ في الدنيا‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ‏}‏ قال‏:‏ ما كان بينهم من الوصل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ‏}‏ قال‏:‏ تواصلكم في الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 99‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏95‏)‏ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏96‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏97‏)‏ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ‏(‏98‏)‏ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى‏}‏ هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى، وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه، والفلق الشق‏:‏ أي هو سبحانه فالق الحبّ فيخرج منه النبات، وفالق النوى فيخرج منه النوى فيخرج منه الشجر‏.‏ وقيل‏:‏ معنى‏:‏ ‏{‏فَالِقُ الحب والنوى‏}‏ الشق الذي فيهما من أصل الخلقة‏.‏ وقيل معنى ‏{‏فَالِقُ‏}‏ خالق، والنوى‏:‏ جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت‏}‏ هذه الجملة خبر بعد خبر، فهي في محل رفع‏.‏ وقيل‏:‏ هي جملة مفسرة لما قبلها، لأن معناها معناه، والأول‏:‏ أولى، فإن معنى ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت‏}‏ يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى‏}‏ مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحيّ، وجملة‏:‏ ‏{‏وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى‏}‏ معطوفة على ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت‏}‏ عطف جملة اسمية على جملة فعلية، ولا ضير في ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ معطوفة على ‏(‏فالق‏)‏ على تقدير أن جملة ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت‏}‏ مفسرة لما قبلها، والأوّل أولى، والإشارة ب ‏{‏ذلكم‏}‏ إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقاً و‏{‏الله‏}‏ خبره‏.‏ والمعنى‏:‏ أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال، والمفضل بكل إفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال ‏{‏فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته‏؟‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَالِقُ الإصباح‏}‏ مرتفع على أنه من جملة أخبار «إنّ» في ‏{‏إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو نعت للاسم الشريف في ‏{‏ذَلِكُمُ الله‏}‏، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر ‏"‏ فَالِقُ الأصباح ‏"‏ بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع صبح، وعلى قراءة الكسر مصدر أصبح‏.‏ والصبح والصباح‏:‏ أوّل النهار، وكذا الإصباح، وقرأ النخعي ‏"‏ فَالِقُ الإصباح ‏"‏ بفعل وهمزة مكسورة‏.‏ والمعنى في ‏{‏فَالِقُ الإصباح‏}‏ أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه، أو يكون المعنى على حذف مضاف، أي فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار، لأنه يبدو مختلطاً بالظلمة ثم يصير أبيض خالصاً‏.‏ وقرأ الحسن وعيسى بن عمر، وعاصم وحمزة، والكسائي ‏{‏وَجَعَلَ اليل سَكَناً‏}‏ حملاً على معنى ‏{‏فَالِقُ‏}‏ عند حمزة والكسائي، وأما عند الحسن وعيسى فعطفاً على ‏"‏ فلق ‏"‏‏.‏ وقرأ الجمهور، ‏"‏ وجاعل ‏"‏ عطفاً على ‏{‏فالق‏}‏‏.‏ وقرئ ‏"‏ فالق وجاعل ‏"‏ بنصبهما على المدح‏.‏ وقرأ يعقوب «وجاعل الليل ساكناً»‏.‏ والسكن‏:‏ محل السكون، من سكن إليه‏:‏ إذ اطمأنّ إليه، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم، ويستريحون من التعب والنصب‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر حُسْبَاناً‏}‏ بالنصب على إضمار فعل، أي وجعل الشمس والقمر، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره والشمس والقمر مجعولان حسباناً، وبالجرّ عطفاً على الليل على قراءة من قرأ «وجاعل الليل»، قال الأخفش‏:‏ والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب‏.‏ وقال يعقوب‏:‏ حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حساباً وحسباناً‏.‏ والحساب‏:‏ الاسم‏.‏ وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح، والحسبان بالكسر مصدر حسب‏.‏ والمعنى‏:‏ جعلهما محل حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدلّ عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه‏.‏ وقيل الحسبان‏:‏ الضياء، وفي لغة أن الحسبان‏:‏ النار، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السماء‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 40‏]‏ والإشارة ب ‏{‏ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم‏}‏ إلى الجعل المدلول عليه بجاعل، أو يجعل على القراءتين‏.‏ والعزيز‏:‏ القاهر الغالب‏.‏ والعليم‏:‏ كثير العلم، ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر‏}‏ أي‏:‏ خلقها للاهتداء بها ‏{‏فِى ظلمات‏}‏ الليل عند المسير في ‏{‏البر والبحر‏}‏ وإضافة الظلمات إلى البرّ، لكونها ملابسة لهما، أو المراد بالظلمات‏:‏ اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها، ومنها ما ذكره الله في قوله‏:‏ ‏{‏وَحِفْظاً مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ‏{‏وجعلناها رُجُوماً للشياطين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 5‏]‏، ومنها جعلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية ‏{‏قَدْ فَصَّلْنَا الآيات‏}‏ التي بيناها بياناً مفصلاً لتكون أبلغ في الاعتبار ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ بما في هذه الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة‏}‏ أي آدم عليه السلام كما تقدّم‏.‏ وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته ‏{‏فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ‏}‏ قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنهما مبتدآن وخبرهما محذوف، والتقدير‏:‏ فمنكم مستقرّ أو فلكم مستقرّ، التقدير الأوّل على القراءة الأولى، والثاني على الثانية، أي فمنكم مستقرّ على ظهر الأرض، أو فلكم مستقرّ على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم، أو في باطن الأرض، أو في الصلب‏.‏ وقيل المستقرّ في الرحم، والمستودع في الأرض‏.‏ وقيل المستقرّ في القبر‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وأكثر أهل التفسير يقولون المستقرّ ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب‏.‏ وقيل المستقرّ من خلق، والمستودع من لم يخلق‏.‏ وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث‏.‏

ومما يدل على تفسير المستقرّ بالكون على الأرض قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حِينٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 36‏]‏، وذكر سبحانه هاهنا ‏{‏يَفْقَهُونَ‏}‏ وفيما قبله ‏{‏يَعْلَمُونَ‏}‏ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرّاً وبعضها مستودعاً من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء‏}‏ هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته‏.‏ والماء هو ماء المطر، وفي ‏{‏فَأَخْرَجْنَا بِهِ‏}‏ التفات من الغيبة إلى التكلم، إظهاراً للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه، والضمير في «بِهِ» عائد إلى الماء، و‏{‏نَبَاتَ كُلّ شَئ‏}‏ يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى رزق كل شيء، والتفسير الأوّل أولى‏.‏ ثم فصل هذا الإجمال فقال‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً‏}‏ قال الأخفش‏:‏ أي أخضر‏.‏ والخضر‏:‏ رطب البقول، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة‏.‏ وقيل‏:‏ يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب ‏{‏نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً‏}‏ هذه الجملة صفة ل ‏{‏خضر‏}‏ أي نخرج من الأغصان الخضر حباً متراكباً أي مركباً بعضه على بعضه كما في السنابل ‏{‏وَمِنَ النخل‏}‏ خبر مقدّم، و‏{‏مِن طَلْعِهَا‏}‏ بدل منه، وعلى قراءة من قرأ «يخرج منه حب» يكون ارتفاع ‏{‏قنوان‏}‏ على أنه معطوف على حب، وأجاز الفراء في غير القرآن «قنواناً» عطفاً على ‏{‏حباً‏}‏، وتميم يقولون قنيان‏.‏ وقرئ بضم القاف وفتحها باعتبار اختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل الحجاز‏.‏ والطلع‏:‏ الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض، والإغريض يسمى طلعاً أيضاً‏.‏ والقنوان‏:‏ جمع قنو، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسورة النون، والجمع على ما يقتضيه الاعراب، ومثله صنوان‏.‏ والقنو‏:‏ العذق‏.‏ والمعنى‏:‏ أن القنوان أصله من الطلع‏.‏ والعذق‏:‏ هو عنقود النخل، وقيل القنوان‏:‏ الجمار‏.‏ والدانية‏:‏ القريبة التي ينالها القائم والقاعد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف، ومثله‏:‏ ‏{‏سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ وخصّ الدانية بالذكر، لأن الغرض من الآية بيان القدر والامتنان، وذلك فيما يقرب تناوله أكثر‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وجنات مّنْ أعناب‏}‏ قرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والأعمش، وعاصم في قراءته الصحيحة عنه برفع «جنات»، وقرأ الباقون بالنصب‏.‏ وأنكر القراءة الأولى أبو عبيدة، وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم هي محال، لأن الجنات لا تكون من النخل‏.‏ قال النحاس‏:‏ ليس تأويل الرفع على هذا، ولكنه رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 22‏]‏ وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، وأما على النصب فقيل‏:‏ هو معطوف على ‏{‏نَبَاتَ كُلّ شَئ‏}‏ أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب، أو النصب بفعل يقدّر متأخراً أي وجنات من أعناب أخرجناها، وهكذا القول في انتصاب الزيتون والرمان‏.‏ وقيل‏:‏ هما منصوبان على الاختصاص لكونهما عزيزين، و‏{‏مُشْتَبِهاً‏}‏ منتصب على الحال، أي كل واحد منهما يشبه بعضه بعضاً في بعض أوصافه، ولا يشبه بعضه بعضاً في البعض الآخر، وقيل‏:‏ إن أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم، وقيل خصّ الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما في قول الله سبحانه‏:‏

‏{‏أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 17‏]‏، ثم أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر، وإلى ينعه إذا أينع‏.‏ والثمر في اللغة‏:‏ جنى الشجر‏.‏ واليانع‏:‏ الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ الينع جمع يانع، كركب وراكب‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أينع احمرّ‏.‏ قرأ حمزة والكسائي «ثمره» بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون بفتحها، إلا الأعمش فإنه قرأ ‏"‏ ثمره ‏"‏ بضم الثاء، وسكون الميم تخفيفاً‏.‏ وقرأ محمد بن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي إسحاق «وينعه» بضم الياء التحتية‏.‏ قال الفراء‏:‏ هي لغة بعض أهل نجد‏.‏ وقرأ الباقون بفتحها، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذلكم‏}‏ إلى ما تقدّم ذكره مجملاً ومفصلاً ‏{‏لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ بالله استدلالاً بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله تعالى ‏{‏إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى‏}‏ يقول‏:‏ خلق الحب والنوى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال‏:‏ يفلق الحبّ والنوى عن النبات‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال‏:‏ الشقان اللذان فيهما‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن أبي مالك نحوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت‏}‏ قال‏:‏ النخلة من النواة والسنبلة من الحبة ‏{‏وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى‏}‏ قال‏:‏ النواة من النخلة والحبة من السنبلة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏{‏يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى‏}‏ قال‏:‏ الناس الأحياء من النطف، والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال ‏{‏فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ أي فكيف تكذبون‏.‏ وأخرج أيضاً عن الحسن قال أنى تصرفون‏.‏

وأخرج أيضاً عن ابن عباس في ‏{‏فَالِقُ الإصباح‏}‏ قال‏:‏ خلق الليل والنهار‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال‏:‏ يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في ‏{‏فَالِقُ الإصباح‏}‏ قال‏:‏ إضاءة الفجر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏فَالِقُ الإصباح‏}‏ قال‏:‏ فالق الصبح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَجَاعِلُ الليل سَكَنا‏}‏ قال‏:‏ سكن فيه كل طير ودابة‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر حُسْبَاناً‏}‏ يعني عدد الأيام والشهور والسنين‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظلمات البر والبحر‏}‏ قال‏:‏ يضلّ الرجل، وهو في الظلمة والجور عن الطريق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والخطيب في كتاب النجوم، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ تعلموا من النجوم ما تهتدون به في برّكم وبحركم، ثم أمسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه، والخطيب، عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البرّ والبحر ثم انتهوا ‏"‏ وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك أحاديث، منها عند الحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله ‏"‏ وأخرج ابن شاهين والطبراني، والحاكم، والخطيب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال‏:‏ قال رسول الله، فذكر نحوه‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد، والخطيب، عن أبي الدرداء نحوه‏.‏ وأخرج الخطيب في كتاب النجوم، عن أبي هريرة نحو حديثه الأوّل مرفوعاً‏.‏ وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي بسند ضعيف، عن أبي هريرة أيضاً قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله‏:‏ التاجر الأمين، والإمام المقتصد، وراعي الشمس بالنهار ‏"‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال‏:‏ «سبعة في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلا ظله، فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت الصلاة»‏.‏ فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله، والصلاة، لا لغير ذلك‏.‏

وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس، وأوّل صلاة الظهر زوالها، ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب غروب الشمس، وورد في صلاة العشاء‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها لوقت مغيب القمر ليلة ثالث الشهر، وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها‏.‏ فمن راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذي أراده، ومن راعاها لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد‏.‏

وهكذا النجوم، وورد النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن مردويه، والخطيب، عن عليّ قال‏:‏ نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم‏.‏ وأخرج ابن مردويه، والمرهبي، والخطيب، عن أبي هريرة قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم‏.‏

وأخرج الخطيب، عن عائشة مرفوعاً مثله‏.‏ وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب، عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار‏.‏ وما ورد في جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدلّ عليه حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روي عن عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه‏:‏ أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرّج أن يخبره، فقال عكرمة‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته‏.‏ وقد أخرج أبو داود، والخطيب، عن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أما بعد، فإن ناساً يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة» وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بهما عباده» وأخرج ابن مردويه، عن أبي أمامة مرفوعاً‏:‏ «إن الله نصب آدم بين يديه، ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملئوا الأرض» فهذا الحديث هو معنى ما في الآية، ‏{‏وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة‏}‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ‏}‏ قال‏:‏ المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب‏.‏ وفي لفظ‏:‏ المستقر ما في الرحم، وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حيّ ومما قد مات‏.‏ وفي لفظ المستقرّ ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في الآية‏:‏ قال مستقرّها في الدنيا ومستودعها في الآخرة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال‏:‏ المستقرّ الرحم، والمستودع المكان الذي يموت فيه‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في الآية قالا‏:‏ مستقرّ في القبر، ومستودع في الدنيا، أوشك أن يلحق بصاحبه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله‏:‏ ‏{‏نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً‏}‏ قال‏:‏ هذا السنبل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب ‏{‏قنوان دَانِيَةٌ‏}‏ قال قريبة‏:‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ‏{‏قنوان دَانِيَةٌ‏}‏ قال‏:‏ قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قنوان الكبائس، والدانية المنصوبة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً في ‏{‏قنوان دَانِيَةٌ‏}‏ قال‏:‏ تهدل العذوق من الطلع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة، في قوله ‏{‏مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه‏}‏ قال‏:‏ متشابهاً ورقه مختلفاً ثمره‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله‏:‏ ‏{‏انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ‏}‏ قال‏:‏ رطبه وعنبه‏.‏ وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء ‏{‏وَيَنْعِهِ‏}‏ قال نضجه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 103‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏100‏)‏ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏101‏)‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ‏(‏102‏)‏ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏103‏)‏‏}‏

هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم‏.‏ قال النحاس‏:‏ ‏{‏الجنّ‏}‏ المفعول الأوّل، و‏{‏شركاء‏}‏ المفعول الثاني كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 20‏]‏ ‏{‏وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 12‏]‏ وأجاز الفراء‏:‏ أن يكون الجنّ بدلاً من شركاء ومفسراً له‏.‏ وأجاز الكسائي رفع الجنّ بمعنى هم الجنّ، كأنه قيل‏:‏ من هم‏؟‏ فقيل الجنّ، وبالرفع قرأ يزيد بن أبي قطيب، وأبو حيان، وقرئ بالجر على إضافة شركاء إلى الجنّ للبيان‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه، وعظموهم كما عظموه‏.‏ وقيل المراد بالجنّ هاهنا الملائكة لاجتنانهم، أي استتارهم، وهم الذين قالوا‏:‏ الملائكة بنات الله‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في الزنادقة الذين قالوا‏:‏ إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدوابّ، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب‏.‏ وروي ذلك عن الكلبي، ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا‏:‏ للعالم صانعان هما الربّ سبحانه والشيطان‏.‏ وهكذا القائلون‏:‏ كل خير من النور، وكل شرّ من الظلمة، وهم المانوية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَهُمْ‏}‏ جملة حالية بتقدير قد، أي وقد علموا أن الله خلقهم، أو خلق ما جعلوه شريكاً لله‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ‏}‏ قرأ نافع بالتشديد على التكثير، لأن المشركين ادّعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى ادّعوا أن المسيح ابن الله، واليهود ادّعوا أن عزيراً ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم فشدّد الفعل لمطابقة المعنى‏.‏ وقرأ الباقون بالتخفيف‏.‏ وقرئ «حرفوا» من التحريف أي زوّروا‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ معنى ‏{‏خرقوا‏}‏ اختلقوا وافتعلوا وكذبوا، يقال اختلق الإفك، واخترقه وخرقه، أو أصله من خرق الثوب‏:‏ إذا شقه، أي اشتقوا له بنين وبنات‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ متعلق بمحذوف هو حال، أي كائنين بغير علم، بل قالوا ذلك عن جهل خالص، ثم بعد حكاية هذا الضلال البين، والبهت الفظيع من جعل الجنّ شركاء لله، وإثبات بنين وبنات له، نزه الله نفسه، فقال‏:‏ ‏{‏سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ وقد تقدّم الكلام في معنى ‏{‏سبحانه‏}‏‏.‏ ومعنى ‏{‏تعالى‏}‏ تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏بَدِيعُ السموات والأرض‏}‏ أي مبدعهما، فكيف يجوز أن ‏{‏يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ‏}‏ وقد جاء البديع بمعنى المبدع، كالسميع بمعنى المسمع كثيراً، ومنه قول عمرو بن معدي كرب‏:‏

أمن ريحانة الدَّاعى السَّميع *** يؤرقني وأصحابي هجوع

أي المسمع‏.‏ وقيل‏:‏ هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل، والأصل‏:‏ بديع سمواته وأرضه‏.‏ وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله‏.‏ والظاهر أن رفعه على تقدير مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ وخبره ‏{‏أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو مرفوع على أنه فاعل ‏{‏تعالى‏}‏، وقرئ بالنصب على المدح، والاستفهام في ‏{‏أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ‏}‏ للإنكار والاستبعاد، أي من كان هذا وصفه، وهو أنه خالق السموات والأرض وما فيهما، كيف يكون له ولد‏؟‏ وهو من جملة مخلوقاته، وكيف يتخذ ما يخلقه ولداً، ثم بالغ في نفي الولد، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة‏}‏ أي كيف يكون له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة‏؟‏ والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد، وجملة‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَئ‏}‏ لتقرير ما قبلها، لأن من كان خالقاً لكل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولداً ‏{‏وَهُوَ بِكُلّ شَئ عَلِيمٌ‏}‏ لا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، والإشارة بقوله ‏{‏ذلكم‏}‏ إلى الأوصاف السابقة، وهو في موضع رفع على الابتداء وما بعده خبره، وهو الاسم الشريف، و‏{‏رَبُّكُمْ‏}‏ خبر ثان، و‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ خبر ثالث، و‏{‏خالق كُلّ شَئ‏}‏ خبر رابع، ويجوز أن يكون ‏{‏الله رَبُّكُمُ‏}‏ بدلاً من اسم الإشارة، وكذلك ‏{‏لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَئ‏}‏ خبر المبتدأ، ويجوز ارتفاع خالق على إضمار مبتدأ، وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه‏.‏

‏{‏فاعبدوه‏}‏ أي من كانت هذه صفاته، فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار‏}‏ الأبصار‏:‏ جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به‏.‏ قال الزجاج أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفيّ هو هذا الإدراك لا مجرّد الرؤية‏.‏ فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلاً عظيماً، وأيضاً قد تقرّر في علم البيان، والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأوّل تخلفه الجزئية، والتقدير‏:‏ لا تدركه كل الأبصار بل بعضها، وهي أبصار المؤمنين‏.‏ والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرّفناك من تواتر الرؤية في الآخرة، واعتضادها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ‏}‏ الآية ‏[‏القيامة‏:‏ 22‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار‏}‏ أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية، وخصّ الأبصار ليجانس ما قبله‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى‏.‏ ‏{‏وَهُوَ اللطيف‏}‏ أي الرفيق بعباده، يقال لطف فلان بفلان‏:‏ أي رفق به، واللطف في العمل الرفق به‏.‏ واللطف من الله التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا‏:‏ إذا أبرّه‏.‏ والملاطفة‏:‏ المبارّة‏.‏ هكذا قال الجوهري وابن فارس، و‏{‏الخبير‏}‏ المختبر بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن وَخَلَقَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ والله خلقهم ‏{‏وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ قال‏:‏ تخرّصوا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله ‏{‏وَخَرَقُواْ‏}‏ قال‏:‏ جعلوا‏:‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال كذبوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن عدي وأبو الشيخ، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ لو أن الإنس والجنّ والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً ‏"‏ قال الذهبي‏:‏ هذا حديث منكر انتهى‏.‏ وفي إسناده عطية العوفى وهو ضعيف‏.‏ وأخرج الترمذي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ رأى محمد ربه‏.‏ قال عكرمة‏:‏ فقلت له أليس الله يقول‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار‏}‏ قال‏:‏ لا أمّ لك، ذاك نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء‏.‏ وفي لفظ «إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر»‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه قال‏:‏ لا يحيط بصر أحد بالله‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار‏}‏ قال‏:‏ في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إسماعيل بن علية مثله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 108‏]‏

‏{‏قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‏(‏104‏)‏ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏105‏)‏ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏106‏)‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏107‏)‏ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

البصائر جمع بصيرة، وهي في الأصل‏:‏ نور القلب، والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح‏.‏ وهذا الكلام وارد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال في آخره ‏{‏وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ‏}‏ ووصف البصائر بالمجيء تفخيماً لشأنها، وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه، كما يقال جاءت العافية، وانصرف المرض، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس ‏{‏فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ‏}‏ أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن لها فنفع ذلك لنفسه؛ لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار ‏{‏وَمَنْ عَمِىَ‏}‏ عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها، فضرر ذلك على نفسه؛ لأنه يتعرض لغضب الله في الدنيا ويكون مصيره النار ‏{‏وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ‏}‏ برقيب أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان‏.‏ ‏{‏وكذلك نُصَرّفُ الآيات‏}‏ أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ‏}‏ العطف على محذوف، أي نصرّف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست‏.‏ أو علة لفعل محذوف يقدّر متأخراً، أي وليقولوا درست صرفناها، وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة‏.‏ والمعنى‏:‏ ومثل ذلك التصريف نصرّف الآيات وليقولوا درست، فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد بهم، فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث بقولهم‏.‏ وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج‏.‏ وقال النحاس‏:‏ وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى ‏{‏نُصَرّفُ الآيات‏}‏ نأتي بها آية بعد آية ‏{‏وَلّيَقُولواْ دَرَسْتَ‏}‏ علينا، فيذكرون الأوّل بالآخر، فهذا حقيقته، والذي قاله أبو إسحاق‏:‏ يعني الزجاج مجاز‏.‏ وفي ‏{‏دَرَسْتَ‏}‏ قراءات، قرأ أبو عمرو، وابن كثير «دارست» بألف بين الدال والراء كفاعلت، وهي قراءة عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وأهل مكة‏.‏ وقرأ ابن عامر «درست» بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف كخرجت، وهي قراءة الحسن‏.‏ وقرأ الباقون «درست» كضربت، فعلى القراءة الأولى المعنى‏:‏ دارست أهل الكتاب ودارسوك، أي ذاكرتهم وذاكروك، ويدلّ على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من إخبار الله عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 4‏]‏ أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن، ومثله قولهم‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين اكتتبها فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 5‏]‏، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 103‏]‏‏.‏ والمعنى على القراءة الثانية‏:‏ قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت، وهو كقولهم‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 25، وفي ثمانية مواضع أُخر من كتاب الله العزيز‏]‏‏.‏ والمعنى على القراءة الثالثة‏:‏ مثل المعنى على القراءة الأولى‏.‏ قال الأخفش‏:‏ هي بمعنى دارست إلا أنه أبلغ‏.‏ وحكى عن المبرد أنه قرأ ‏"‏ وَلِيَقُولُواْ ‏"‏ بإسكان اللام، فيكون فيه معنى التهديد، أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين، وفي اللفظ أصله درس يدرس دراسة، فهو من الدرس، وهو القراءة‏.‏

وقيل من درسته‏:‏ أي ذللته بكثرة القراءة، وأصله درس الطعام، أي داسه‏.‏ والدياس‏:‏ الدراس بلغة أهل الشام‏.‏ وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درساً، أي أخلقته، ودرست المرأة درساً، أي حاضت‏.‏ ويقال‏:‏ إن فرج المرأة يكنى أبا دراس وهو من الحيض، والدرس أيضاً‏:‏ الطريق الخفي‏.‏ وحكى الأصمعي‏:‏ بعير لم يدرس‏:‏ أي لم يركب‏.‏ وروى عن ابن عباس وأصحابه، وأبي، وابن مسعود، والأعمش، أنهم قرءوا «درس» أي‏:‏ درس محمد الآيات، وقرئ «درِسَتْ» وبه قرأ زيد بن ثابت، أي الآيات على البناء للمفعول، «ودارست» أي دارست اليهود محمداً‏.‏ واللام في ‏{‏لنبينه‏}‏ لام كي، أي نصرف الآيات لكي نبينه لقوم يعلمون، والضمير راجع إلى الآيات؛ لأنها في معنى القرآن، أو إلى القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ‏}‏ أمره الله باتباع ما أوحى إليه وأن لا يشغل خاطره بهم، بل يشتغل باتباع ما أمره الله، وجملة‏:‏ ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، لقصد تأكيد إيجاب الاتباع ‏{‏وَأَعْرِض‏}‏ معطوف على ‏{‏اتَّبِعُ‏}‏ أمره الله بالإعراض عن المشركين بعدما أمره باتباع ما أوحي إليه، وهذا قبل نزول آية السيف‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ‏}‏ أي لو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا، وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه، والكلام في تقرير هذا على الوجه الذي يتعارف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده، ‏{‏وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً‏}‏ أي رقيباً ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ‏}‏ أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم، ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار‏.‏ والمعنى‏:‏ لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله، فيتسبب عن ذلك سبهم لله عدواناً وتجاوزاً عن الحق، وجهلاً منهم‏.‏

وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجباً عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف‏.‏ وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات؛ عناداً للحق وبغضاً لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة، قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع، وهم شرّ من الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتمّ باطلهم وكفرهم نادراً على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سدّ الذرائع، وقطع التطرّق إلى الشبه‏.‏

وقرأ أهل مكة «عُدُوّا» بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن، وأبي رجاء وقتادة‏.‏ وقرأ من عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو، ومعنى القراءتين واحد‏:‏ أي ظلماً وعدواناً، وهو منتصب على الحال، أو على المصدر، أو على أنه مفعول له ‏{‏كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ‏}‏ أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من الخير والشرّ ‏{‏يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 93، فاطر‏:‏ 8‏]‏ ‏{‏ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها، ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ‏}‏ أي بينة ‏{‏فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ‏}‏ أي فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ‏{‏وَمَنْ عَمِىَ‏}‏ أي من ضلّ ‏{‏فَعَلَيْهَا‏}‏‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ «دارست» وقال‏:‏ قرأت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه ‏{‏دَرَسْتَ‏}‏ قال‏:‏ قرأت وتعلمت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه أيضاً قال ‏"‏ دارست ‏"‏ خاصمت، جادلت، تلوت‏.‏

وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، ‏{‏وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين‏}‏ قال‏:‏ كفّ عنهم، وهذا منسوخ، نسخه القتال‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ‏}‏ يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ‏}‏ أي بحفيظ‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ قال‏:‏ قالوا يا محمد لتنتهينّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ‏{‏فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏‏.‏ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ملعون من سبّ والديه ‏"‏، قالوا يا رسول الله وكيف يسبّ الرجل والديه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 113‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏109‏)‏ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏110‏)‏ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ‏(‏111‏)‏ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏112‏)‏ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله‏}‏ أي الكفار مطلقاً، أو كفار قريش، وجهد الأيمان أشدّها، أي أقسموا بالله أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به، وانتصاب ‏{‏جهد‏}‏ على المصدرية، وهو بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد، والمعنى‏:‏ أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها ‏{‏لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا‏}‏ وليس غرضهم الإيمان، بل معظم قصدهم التهكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتلاعب بآيات الله، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الآيات عِندَ الله‏}‏ هذه الآية التي يقترحونها، وغيرها، وليس عندي من ذلك شيء، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، بكسر الهمزة من ‏"‏ أنها ‏"‏، وهي قراءة مجاهد، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود ‏"‏ وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏"‏ قال مجاهد وابن زيد‏:‏ المخاطب بهذا المشركون أي وما يدريكم، ثم حكم عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ وقال الفراء وغيره‏:‏ الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ وقرأ أهل المدينة والأعمش، وحمزة والكسائي، وعاصم، وابن عامر ‏{‏أنها إذا جاءت‏}‏ بفتح الهمزة‏.‏ قال الخليل‏:‏ ‏{‏أنها‏}‏ بمعنى لعلها، وفي التنزيل‏:‏ ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 3‏]‏ أي أنه يزكي‏.‏ وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، ومنه قول عدي بن زيد‏:‏

أعاذل ما يدريك أن منيتي *** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد

أي لعل منيتي، ومنه قول دريد بن الصمة‏:‏

أريني جواداً مات هزلاً لأنني *** أرى ما ترين أو بخيلاً مخلداً

أي لعلني، وقول أبي النجم‏:‏

قلت لشيبان ادن من لقائه *** أني نُغَدِّ اليوم من شوائه

أي لعلي، وقول جرير‏:‏

هل أنتم عائجون بنا لأن *** نرى العرصات أو أثر الخيام

أي لعلنا‏:‏ ا ه‏.‏ وقد وردت في كلام العرب كثيراً بمعنى لعل‏.‏ وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أُبيّ بن كعب‏.‏ وقال الكسائي أيضاً والفراء‏:‏ إن «لا» زائدة، والمعنى‏:‏ وما يشعركم أنها أي الآيات، إذا جاءت يؤمنون، فزيدت كما زيدت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 95‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدَ‏}‏

‏[‏الأعراف‏:‏ 12‏]‏ وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة «لا» وقالوا‏:‏ هو غلط وخطأ‏.‏ وذكر النحاس وغيره، أن في الكلام حذفاً والتقدير‏:‏ أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم‏}‏ معطوف على ‏{‏لا يؤمنون‏}‏ قيل والمعنى‏:‏ تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار، وحرّ الجمر ‏{‏كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ‏}‏ في الدنيا ‏{‏وَنَذَرُهُمْ‏}‏ في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أوّل مرة عند ظهور المعجزة‏.‏ وقيل‏:‏ في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير‏:‏ أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، أي يتحيرون، والكاف في ‏{‏كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ‏}‏ نعت مصدر محذوف، و«ما» مصدرية، و‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ في محل نصب على الحال‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة‏}‏ أي لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوه بقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 8‏]‏ ‏{‏وَكَلَّمَهُمُ الموتى‏}‏ الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم، فقالوا لهم‏:‏ إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله، فآمنوا به، لم يؤمنوا ‏{‏وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَئ‏}‏ مما سألوه من الآيات ‏{‏قُبُلاً‏}‏ أي كفلاً وضمناً بما جئناهم به من الآيات البينات‏.‏ هذا على قراءة من قرأ ‏{‏قبلاً‏}‏ بضم القاف وهم الجمهور‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر، «قبلاً» بكسرها أي مقابلة‏.‏ وقال محمد بن يزيد المبرد‏:‏ ‏{‏قبلاً‏}‏ بمعنى ناحية، كما تقول لي قبل فلان مال، فقبلاً نصب على الظرف، وعلى المعنى الأوّل ورد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 92‏]‏ أي يضمنون، كذا قال الفراء‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ هو بمعنى قبيل قبيل‏:‏ أي جماعة جماعة‏.‏ وحكى أبو زيد، لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً كله واحد، بمعنى المواجهة، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان‏.‏ والحشر‏:‏ الجمع ‏{‏مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله‏}‏ إيمانهم، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والاستثناء مفرغ ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏}‏ جهلاً يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ‏}‏ هذا الكلام لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم، أي مثل هذا الجعل ‏{‏جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً‏}‏ والمعنى‏:‏ كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار، فجعلنا لكل واحد منهم عدواً من كفار زمنهم، و‏{‏شياطين الإنس والجن‏}‏ بدل من ‏{‏عدواً‏}‏‏.‏ وقيل هو المفعول الثاني لجعلنا‏.‏ وقرأ الأعمش «الجن والإنس» بتقديم الجن، والمراد بالشياطين المردة من الفريقين، والإضافة بيانية، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل الإنس والجن‏:‏ الشياطين، وجملة ‏{‏يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ‏}‏ في محل نصب على الحال، أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض‏.‏

وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدوّ، وسمي وحياً لأنه إنما يكون خفية بينهم، وجعل تمويههم زخرف القول لتزيينهم إياه، والمزخرف‏:‏ المزين، وزخارف الماء طرائفه، و‏{‏غُرُوراً‏}‏ منتصب على المصدر، لأن معنى يوحي بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غروراً، ويجوز أن يكون في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً له، والغرور‏:‏ الباطل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ‏}‏ الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقاً من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله، أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدّم ذكره ما فعلوه وأوقعوه وقيل‏:‏ ما فعلوا الايحاء المدلول عليه بالفعل ‏{‏فَذَرْهُمْ‏}‏ أي اتركهم، وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله‏:‏ ‏{‏ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 11‏]‏ ‏{‏وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏ إن كانت «ما» مصدرية فالتقدير‏:‏ اتركهم وافتراءهم، وإن كانت موصولة فالتقدير‏:‏ اتركهم والذي يفترونه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة‏}‏ اللام في لتصغي لام كي، فتكون علة كقوله‏:‏ ‏{‏يُوحِى‏}‏ والتقدير‏:‏ يوحي بعضهم إلى بعض لغرورهم ولتصغى‏.‏ وقيل‏:‏ هو متعلق بمحذوف يقدر متأخراً، أي لتصغى ‏{‏جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً‏}‏ وقيل‏:‏ إن اللام للأمر وهو غلط، فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل، والإصغاء‏:‏ الميل، يقال صغوت أصغو صغواً، وصغيت أصغى؛ ويقال صغيت بالكسر؛ ويقال أصغيت الإناء‏:‏ إذا أملته ليجتمع ما فيه، وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض، ويقال صغت النجوم‏:‏ إذا مالت للغروب، وأصغت الناقة‏:‏ إذا أمالت رأسها، ومنه قول ذي الرمة‏:‏

تصغي إذا شدّها بالكور جانحة *** حتى إذا ما استوى في غرزها وثبت

والضمير في ‏{‏إليه‏}‏ لزخرف القول، أو لما ذكر سابقاً من زخرف القول وغيره، أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ‏{‏وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة‏}‏ من الكفار، ‏{‏وَلِيَرْضَوْهُ‏}‏ لأنفسهم بعد الإصغاء إليه ‏{‏وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ‏}‏ من الآثام، والاقتراف‏:‏ الاكتساب؛ يقال خرج ليقترف لأهله، أي ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر‏:‏ إذا واقعه، وقرفه‏:‏ إذا رماه بالريبة، واقترف‏:‏ كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء‏.‏

وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ نزلت ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم‏}‏ في قريش ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ يا أيها المسلمون ‏{‏أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏:‏ كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قريشاً فقالوا‏:‏ يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«أي شيء تحبون أن آتيكم به‏؟‏» قالوا‏:‏ تجعل لنا الصفا ذهباً، قال‏:‏ «فإن فعلت تصدقوني‏؟‏» قالوا‏:‏ نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له‏:‏ إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال‏:‏ «بل يتوب تائبهم»، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏يَجْهَلُونَ‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم‏}‏ قال‏:‏ لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردّت عن كل أمر‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه ‏{‏وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَئ قُبُلاً‏}‏ قال‏:‏ معاينة ‏{‏مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ أي‏:‏ أهل الشقاء ‏{‏إِلاَّ أَن يَشَاء الله‏}‏ أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة ‏{‏وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَئ قُبُلاً‏}‏ أي فعاينوا ذلك معاينة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال‏:‏ أفواجاً قبيلاً‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن‏}‏ قال‏:‏ إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجنّ، فيقول هذا لهذا‏:‏ أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو‏:‏ ‏{‏يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً‏}‏ وقال ابن عباس‏:‏ الجنّ هم الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجنّ يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال‏:‏ الكهنة هم شياطين الإنس‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ‏}‏ قال‏:‏ شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 121‏]‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال‏:‏ من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، زخرف القول قال‏:‏ يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم‏.‏ وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا أبا ذر تعوّذ بالله من شرّ شياطين الجن والإنس»، قال‏:‏ يا نبيّ الله وهل للإنس شياطين‏؟‏ قال‏:‏ «نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً» وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ‏{‏ولتصغى‏}‏ لتميل‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه ‏{‏ولتصغي‏}‏ تزيغ ‏{‏وَلِيَقْتَرِفُواْ‏}‏ يكتسبوا‏.‏